السيد كمال الحيدري

207

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

الإجراء الأول : إعدام ما ورد في ذمّ بني أميّة وطيّه وكتمانه سننقل في هذا الصدد كلمة جامعة لأحد أعلام الاتّجاه الأمويّ من شأنها أن ترسم خطوط هذا الإجراء وتغنينا عن إيراد الشواهد على تطبيقه : نقل الذهبي في كتابه « السير » عند ترجمته للإمام الشافعي بسنده عنه ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله : أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الوصال ( أي وصل صيام يومٍ بصيام يوم آخر دون إفطار بينهما ) ، وقد تضمّن الحديث اعتراضاً على ابن عمرو ، بأنّ سيرته تخالف هذا النهي النبوي ؛ لأنه نفسه يواصل الصيام دون إفطار ؟ ! وأنّ عليه بموجب هذا الحديث الذي ينقله هو أن يمتنع عن ذلك ، فكان جواب عبد الله بن عمرو بقوله : ( لست مثلكم ، إني أطعم وأسقى ) أي : ( أُمنح من الله قوّة أستغني معها عن الطعام والشراب ) . هكذا فسّره البعض « 1 » . ما يهمّنا من هذه القصّة هو تعليق الذهبي عليها ، حيث قال : ( قلت : كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه ، بل يطوى ولا يروى ، كما تقرّر عن الكفّ عن الكثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين . وما زال يمرّ بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ، ولكن أكثر ذلك منقطع ، وضعيف ، وبعضه كذب ، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيّه وإخفاؤه ، بل إعدامه ، لتصفو القلوب ، وتتوفّر على حبّ الصحابة ، والترضّي عنهم ، وكتمان ذلك متعيّن عن العامّة ، وآحاد العلماء ، وقد يرخّص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف ، العريّ من الهوى ، بشرط أن يستغفر لهم ، كما علَّمنا الله تعالى ) « 2 » .

--> ( 1 ) العيني ، عمدة القارئ ، شرح صحيح البخاري : ج 11 ، ص 72 . ( 2 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء : ج 10 ، صص 92 - 93 .